هذا ما يجب التأكد منه قبل اختيار شركة أو طريقة لبناء مزرعة لتربية البزاق
تربية البزاق بالعلف الإصطناعي المركز كلفة مرتفعة وخسائر مالية كبيرة
مزارع البزاق في قبرص: إفلاسات وخسائر نتيجة ضآلة الإنتاج وغياب التخصص
مزارع البزاق في قبرص: إفلاسات وخسائر نتيجة ضآلة الإنتاج وغياب التخصص

يعاني القبارصة منذ سنوات من "أزمة ثقة" بمهنة تربية البزاق نتيجة لتجارب مريرة تعرضوا لها على أيدي "تجار" خدعوهم بعدما "سلبوهم" أموالهم بطريقة محترفة انتهت بخسائر تقدر بملايين الأوروهات.

 

قصة القبارصة مع مدعي امتهان مهنة تربية البزاق في المزارع بدأت في العام 2011 عندما عمد أحد "التجار" الى الترويج ل"تقنية يونانية" غير موجودة أصلا، لبناء مزارع لتربية البزاق في الهواء الطلق وهي في الحقيقة تقنية مستنسخة عن الطريقة الإيطالية ومقلدة يتولى بيعها الى المزارعين والمستثمرين أناس غير اختصاصيين يفتقدون الى التجربة والعلم والمهنية الصحيحة، ويتكلون على جني الأرباح بسرعة قياسية، تاركين المزارع يتخبط بالمشاكل عندما يواجهها.

 

وقد تمكن هذا التاجر من الإيقاع بأكثر من عشرين مزارعا ومستثمرا قبرصيا، من خلال إغرائهم ببناء مزارعهم وإدارتها في مقابل وضع أراضيهم وكلفة البناء والتشغيل بتصرفه على أن يتولى هو عملية التشغيل والإدارة وتسديد أرباح طائلة مزعومة لأصحاب المزارع بعد جني المواسم.

 

ومع اقتراب موعد جني المواسم، فوجىء القبارصة بخبر في الصحافة في 2 تموز 2013  يشير الى احتراق مزرعة لتربية البزاق مع مستودعات عائدة للوازم المزارع في المنطقة الصناعية في العاصمة نيقوسيا، تبين أنها عائدة الى رجل في التاسعة والثلاثين من عمره اختفى على أثر الحادثة ليكتشف ضحاياه أن المنشأة التي احترقت هي "المزرعة النموذجية" التي بناها لإغرائهم مع المستودعات التابعة لها.

 

وهكذا احترق مع "المزرعة الفخ" جنى عمر عشرين من القبارصة الذين باتت تربية البزاق بالنسبة اليهم مرادفة للإحتيال والإختلاس بعدما انتشر خبر عملية الإختلاس المنظمة هذه كالنار في الهشيم.

 

ومع الصدمة التي تلقاها المنكوبون وتأثيراتها على الرأي العام القبرصي لا سيما المهتم بقطاع الزراعة الحيوانية، بدأت محاولة ترميم الصورة من خلال تقنية جديدة – قديمة مستنسخة عن الطريقة الفرنسية التي تعتمد تربية البزاق في مزارع مقفلة.

 

تقوم هذه الطريقة على بناء هنغارات زراعية مسقوفة بالشبك الناعم، ومحاطة بالنايلون، يربى البزاق في داخلها ويصار الى تغذيته بعلف اصطناعي مركز تزود به المزارعين الجهات المشرفة على هذه التقنية كشرط لشراء إنتاجهم.

 

نقطة الضعف التقنية الأساسية في هذه الطريقة أنها مقلدة ومستنسخة عن الطريقة الفرنسية من دون أن تجد حلا لأهمية وصول أشعة الشمس الى داخل المزرعة، وأهمية التهوئة الدائمة والجيدة للمزرعة، مما يتسبب بالعفونة ويؤدي الى تكون برك المياه التي تنمو فيها الباكتيريا والطفيليات، ويؤدي التفاعل بين الرطوبة الناجمة عن الري وبراز البزاق الى تكاثر الحشرات الزاحفة كالديدان، والطائرة كالبعوض والذباب، والى روائح كريهة تشكل كلها بيئة صحية غير سليمة للبزاق من جهة، وللبيئة السكنية في محيطها من جهة ثانية.

 

أما من الناحية التجارية فأبرز سلبيات هذه الطريقة هي الآتية:

 

1- كلفة بناء وتشغيل مرتفعة (حوالى 45 الف يورو ل 1000 متر مربع للسنة الأولى في حال اعتماد تقنية رفوف الخشب، و100 الف يورو في حال اعتماد تقنية برادي قماش الخيش)

 

2- من أجل اختلاق جدوى اقتصادية رقمية وهمية، وغير صحيحة واقعيا تبرر هذا الرأسمال المرتفع، يتم الترويج بأن إنتاج كل 1000 متر مربع في المزارع المسقوفة يبلغ بين 6000 كلغ من البزاق سنويا في حال اعتماد الألواح الخشبية لانتشار البزاق عاموديا 26000 كلغ من البزاق سنويا في حال اعتماد البرادي المصنعة من قماش الخيش والمثبتة عاموديا كل 15 الى 20 سم.

 

3- بعد تجربة السنة الأولى يؤكد المزارعون القبارصة بأن أقصى ما تمكنوا من الوصول اليه هو 3 الى 4 طن كحد أقصى من البزاق في كل 1000 متر مربع. علما بأن العلف الإصطناعي يؤدي الى إنتاج بزاق بحجم يتراوح بين 12 و16 غراما للبزاقة الواحدة مما يعني عمليا نصف الكمية العددية من البزاق وفقا للمواصفات الفضلى المعتمدة في التجارة الدولية للبزاق (وزن البزاقة بين 8 و10 غرام)، وهو ما يعيد الكمية المنتجة عمليا من ناحية المردود المالي الى ما يوازي 2 طن الى 3 طن في كل 1000 متر مربع.

 

4- إن كلفة العلف الإصطناعي تبلغ حوالى 8400 يورو سنويا لكل الف متر مربع من المزارع المقفلة التي يعيش فيها البزاق على الواح خشبية، أي أنها بالكاد تغطي ثمن الأعلاف الإصطناعية على اعتبار أن الشركات المعنية في قبرص تعد المزارعين بدفع 4 يورو ثمن الكيلوغرام الواحد من البزاق . وفي محاولة من المزارعين القبارصة لتخفيف الكلفة في ضوء خسارة السنة الأولى نتيجة لعدم قدرة هذه التقنية على انتاج 6 طن كما وعدوا، عمد قسم منهم الى استبدال العلف الإصطناعي الذي تزودهم به الشركات المشرفة بعلف مماثل من شركات أخرى بنصف السعر، وعمد بعضهم الآخر الى زراعة نبتات الخس والملفوف والسلق كمأكل للبزاق بديل عن العلف الإصطناعي، لكن هذه "الحلول" دفعت بالشركات المشرفة على بناء مزارعهم الى إبلاغهم رفض شراء انتاجهم ولو كانت كميته قليلة في حال التوقف عن التزود بالعلف الإصطناعي المركز حصريا منها.

 

5- اصطدم المزارعون القبارصة خلال الموسم الماضي بكمية موت كبيرة للبزاق لامست ال 80 بالمئة. والسبب في ذلك يعود الى عدم تزويد مزارعهم المقفلة بالشبك الناعم والنايلونبمنظومة للتهوئة والتبريد مما يحرم المزرعة من التهوئة الصحيحة في الداخل، ويؤدي الى ارتفاع الحرارة المرتفعة أصلا في الخارج (35 الى 40 درجة)، داخل المزرعة (فوق ال 50 درجة) علما بأن تزويد المزارع بهذه المنظومات يؤدي الى مضاعفة الكلفتين التأسيسية والتشغيلية وبالتالي الى مزيد من عدم التوازن الإقتصادي بين المصاريف والمداخيل.

 

ونتيجة لهذا الواقع، يؤكد عدد كبير من أصحاب المزارع في محيط لارنكا وليماسول ونيقوسيا أنهم في صدد إقفال مزارعهم قريبا كطريقة للحد من الخسائر، وقد بدأ بعضهم بتفكيك مزرعته فعلا، ويتحدثون بأسف ومرارة عن "حظ متعثر" للقبارصة مع هذه المهنة التي تشكل بالنسبة الى غيرهم من الدول الأوروبية ولا سيما اليونان التي تعتبر التوأم العرقي والثقافي والإجتماعي والسياسي والإقتصادي للقبارصة، وإيطاليا مصدرا كبيرا للدخلين القومي والفردي مع فارق بسيط وهو أنهما تعتمدان التقنية الإيطالية لتربية البزاق في مزارع في الهواء الطلق وفقا لدورة بيولوجية كاملة ومن خلال التغذية بالأعشاب الطازجة، وبإشراف اختصاصيين ومهنيين اكتسبوا خبرتهم على مدى 43 سنة. في حين أن القبارصة يقعون للمرة الثانية في أقل من أربع سنوات ضحية تجارة بناء المزارع وبيع العلف من دون أي خبرة في تربية البزاق.